الجاحظ

143

رسائل الجاحظ

لهم من العلم . فصل منه على ذكرهم - وكل قوم بنوا على حب الاشكال والشغف بالرجال يشتد وجدهم به وحبهم له حتى ينقلب الحب عشقا والوجد صبابة ، للمشاكلة التي بين النفوس ، وعلى قدر ذلك يكون البغض والحقد ، لأن النصارى حين جعلوا ربهم إنسانا مثلهم بخلت نفوسهم بإلهيتهم له لتوهمهم الربوبية ، وسمحت بالمودة لتوهمهم البشرية . فلذلك قدروا من العبادة على ما لم يقدر عليه سواهم ، وبمثل هذا السبب صارت المشبهة منا أعبد ممن ينفي التشبيه ، حتى ربما رأيت المشبه يتنفس من الشوق إليه ويشهق عند ذكر الزيارة ويبكي عند ذكر الرؤية ويغشى عليه عند ذكر رفع الحجب ! وما ظنك بشوق من طمع في مجالسة ربه جل جلاله ومحادثة خالقه عز ذكره ! ؟ ولقد غالت القوم غول ودعاهم أمر فانظر ما هو ؟ وإن سألتني عنه خبرتك أنما هو نتيجة أحد أمرين : إما تقليد الرجال ، وإما طلب تعظيمهم . ولذلك السبب لم ترض اليهود من إنكار حق عيسى بتكذيبه حتى طلبت قتله وصلبه والمثلة به ، ثم لم ترض بذلك حتى زعمت أنه لغير رشدة . فلو كانت دون هذه المنزلة منزلة لما انتهت اليهود دون بلوغها ، ولو كانت فوق ما قالت النصارى منزلة لما انتهت دون غايتها . وبذلك السبب صارت الرافضة أشد صبابة وتحرقا وأفرط غضبا وأدوم حقدا وأحسن تواصلا من غيرهم أيضا . ورب خبر قد كان فاشيا فدخل عليه من العلل ما منعه من الشهرة ، ورب خبر ضعيف الأصل واهن المخرج قد تهيأ له من الأسباب ما يوجب الشهرة . فصل منه : واعلم أن لأكثر الشعر ظعنا وحظوظا ، كالبيت يحظى ويسير حتى يحظى صاحبه بحظه ، وغيره من الشعر أجود منه . وكالمثل يحظى ويسير وغيره من الأمثال أجود . وما ضاع من كلام الناس وضل أكثر مما حفظ وحكي . واعتبر ذلك من نفسك وصديقك وجليسك . وأمر الأسباب عجيب . ومن ذلك قتل علي بن أبي طالب من السادة والقادة والحماة ما عسى لو ذكرته لاستكبرته واستعظمته . فأضرب الناس عن ذكرهم وجهلت العوام مواضعهم وأخذوا في ذكر عمرو بن عبد ود فرفعوه